البحر المحظور
تصدير :
من أصعب النصوص الشعرية التي واجهتني أثناء الرؤية هذا النص الجميل ويرجع ذلك إلى الشاعرة نفسها التي دون قصد منها تحدثت عن عالمها الخاص في القصيدة وقد قرأت رؤيتها مما جعلني تحررت بقدر المستطاع من طرحها وأرجو أن أكون قد وفقت في كشف جوانب من النص .
الرؤية :
تبدأ الشاعرة نور محمد بذكر كلمة بحر وهي نكرة وهذا يعطي دلالة بأهمية البحر في عالم الشاعرة فهي
ويوحي البحر بالاتساع والعطاء والغربة أيضا
بحر – هواء أزرق ،
أفق منكشف
وأيضا تلاحق الشاعرة البحر بالهواء الأزرق الذي يوحي بتلاحم البحر مع المعطيات الأخرى ثم يأتي الأفق منكشفا أمام الشاعرة ليوحي بمدى اتساع عالمها ونقائه ثم تأتي بذكر الشمس بما توحي من إشارات الضوء والمعرفة والحضارة وأيضا الحرية ولكن تنعتها بأنها ملحية وهذا الوصف يعطي بعدم الجدوى والفائدة المرجوة شمس مالحة وتعتمد الشاعرة هنا على النكرات والجمل التلغرافية القصيرة ثم تنظر نظرة لكل هذه المعطيات لهذا العالم المتضح أمام وعيها
نظرة _
نهاية اللانهاية
ولكنها تؤطر عالمها اللا محدود بنظرة منها ثم تحمل هذا العالم ومعطياته كلها يدان اليد الأولى هي يد الأب الذي يمثل العطاء واليد الأخرى التي تمثل الكرم والحنو فالأب جزء أساسي في تركيب هذا العالم هو والأم مما يدل على أن الشاعرة لا تريد الانقطاع عن تاريخها السابق فهي متواصلة معه ومع ومدركة مدى العطاء الذي حصلت عليه من هذا التاريخ
تحمله لى فى حفنة
يد الأب أولا ،
ثم اليد الأخرى الكريمة مثلها
والبحر هو الامتلاك الحقيقي فهي تدرك مدى قيمة البحر فهو الحيازة الكبيرة
بحر – حيازة ضخمة
وهذا البحر لحظة يكون لها وأحيانا أخرى لا يكون لها وهذا التضارب والتناقض يوضح أن شاعرتنا تتخذ البحر عالما كاملا لها وهو محور دنياها بما يمثله ولكن أحيانا تمتلكه وأحيانا لا يهرب منها
ولا وجود له .
اكرر فى ايقاع لايستكين ،
بح – بحر ، لايقاس
وقت ، بناء عالم
ينسحب البحر منى ،
تبقى كلمتى –
بحرا ساخنا .
يتحول هذا البحر في نهاية الأمر أملها المنشود فتكرر اسمه دائما ولكن ينسحب البحر منها ولا تستعيضه إلا بكلمة منها ساخنة ولنلاحظ كلمة الانسحاب بما توحي بالهمس والخفاء والهدوء فهو ينفلت منها دون ضجيج فهي تتكشف ذلك بوعيها وحسها ولمن ستبقى لها كلمتها الساخنة هي المعادل الموضوعي لهذا البحر
ثم تنتقل الشاعرة إلى تأكيد ما قلناه إن هذا العالم عالمها وهذه هي مفرداته ولكنها توضح أن الكلمة هي أثمن ما تملكه في هذا العالم
من غير كلمات أكون كأنثى من غير يدين
لاأستطيع أن ألمس أى يدين –
اذا قطعوا كلماتى ،
فهي بدون كلماتها لا تستطيع أن تتواصل مع هذه المفردات التي تعيشها
ثم تتحول الشاعرة من الوصف لذاتيتها إلى منتجع فكري نكاد نلمسه ولا نستطيع الوصول إلى قمة الراحة فيه خالقا عالما من البحث الدائم من خلال الجمل التلغرافية الجديدة التركيب والتصوير مع تداخل بين الجمل الاسمية التي تمتد بصور جزئية تتلاحق في صور كلية وذلك باستخدام الأخبار الفعلية وخاصة المضارعة منها
الريح تحمل البحر الى شفتيك .
واذ تهم برشفة منعشة –
تبعد الكأس .
يترك العطش شقوق لفح على جلدك .
انت رمل لاتصل اليه أمواج .
ومن هذه الصور التي استوقفتني مندهشا لهذا التجديد الشعري والذي يصدر عن شاعر واع بكل مفرداته اللغوية وبعالمه الشعري .
يترك العطش شقوق لفح على جلدك .
بايقاع سعال الربو .
تستطيع أن تغوص قدر ماتريد ،
تستطيع أن تسبح حتى عتبة السماء
تغوص فى كل الأمواج الغابرة
بذاكرة الجلد العارية .
وحتى لا يظلم هذا العمل الإبداعي من المفترض أن تكون هناك دراسة تحليلية خاصة لهذه البنية التركيبية والجمل التي جاءت منتظمة وسط سياق خاص بها تجعلنا نشعر بالتميز والانفراد لشاعرتنا قلما نجده في أصواتنا الشعرية المتداخلة
وننتقل للمقطع الخامس حيث تصور الشاعرة مفردات عالمها المستدعى من الذاكرة وكيفية المعاناة مع كم المحرمات التي فرضت على اللقاء
اى صراع مع انفسنا
كم مغامرة ومجازفة
فى سبيل لقاء واحد .
وهنا نجد المفردات التي تجذبنا إليها هو البحر بطل هذا العمل والرمز الذي تدور القصيدة حوله وهذه الذكرى من أطياف الذاكرة لحب وعاشق لم تركز الشاعرة على الغوص في وصفه ولم تركز على كنهه بل هو محض عاشق وجزيرة للوهم هذا العالم الساكن المتحرك في آن واحد يدهشك لمحاولة استرجاع القراءة مرات ومرات لأنك واثق أن هناك المزيد من المعطيات التي أفلتت من براثن نظرتك الاندهاشية .
أما المقطع السادس والأخير لهو قمة التفاعل بين المكون الأساسي للشاعرة الفكري والنفسي وبين هذا البحر المكون الأساسي في عالم قصيدتها ويتناغم التفاعل مابين المقابلات بين المواقف وبين التصورات لتمعن لنا هذا التناقض الذي كان القارئ ينتظر عكسه في الكتابات التقليدية لقد تعلمت السباحة فكان البحر في الجانب المعاكس فكان ملحيا
حين تعلمت السباحة
خرج البحر كله مالحا
من أنفى .
وفي لحظة الاستسلام يعبرها البحر
وكأنه هذه الحياة المتكاملة وكما قلت سالفا بحر شاعرتنا حياة كاملة من أفكار ومشاعر ورؤى للكون وفلسفة خاصة وإن كانت ذاتية إلا إنها عبرت تلك الذاتية إلى مناحى إنسانية عامة تستوقفنا مما يجعل التفاعل الإنساني مع العمل في تواصل مستمر وذلك بسبب حالة الدهشة الداءئمة طوال التعرف على هذه القصيدة التي تتملكنا عند القراءة فالبحر هنا يشبه البحور المتقوقعة داخل نفوس الكثيرين من الإنسانية
حين تعلمت السباحة
خرج البحر كله مالحا
من أنفى .
ثم تعاود الحديث عن ذلك الغائب الغامض الذي يمتص لعاب البحر ووصفته بالبعد محاولة التخلص من فكرة سيطرة الجسد بوضعيته المادية وليس بوضعيته الشهوانية فقط فهي ترى فلسفتها الخاصة في هذا المقطع الأخير.
الآن ، اذ هو بعيد عنى
أمتص من لثتى الجافة
لعاب البحر .
يلتهم ملح الذكريات
الجسد ، الذى ماكان ينبغى
أن يحب أكثر .


















02 يوليو, 2007 04:10 م