رؤى نقدية ولغة عربية

تهتم بالإبداع العربي في كل فروعه الأدبية والفكرية واللغوية

البحر المحظور للشاعرة نور محمد

            البحر المحظور

تصدير :

 من أصعب النصوص الشعرية التي واجهتني أثناء الرؤية هذا النص الجميل ويرجع ذلك إلى الشاعرة نفسها التي دون قصد منها تحدثت عن عالمها الخاص في القصيدة وقد قرأت رؤيتها مما جعلني تحررت بقدر المستطاع من طرحها وأرجو أن أكون قد وفقت في كشف جوانب من النص .

الرؤية :

 

تبدأ الشاعرة نور محمد بذكر كلمة بحر وهي نكرة وهذا يعطي دلالة بأهمية البحر في عالم الشاعرة فهي

ويوحي البحر بالاتساع والعطاء والغربة أيضا

بحر – هواء أزرق ،  

أفق منكشف

وأيضا تلاحق الشاعرة البحر بالهواء الأزرق الذي يوحي بتلاحم البحر مع المعطيات الأخرى ثم يأتي الأفق منكشفا أمام الشاعرة  ليوحي بمدى اتساع عالمها ونقائه ثم تأتي بذكر الشمس بما توحي من إشارات الضوء والمعرفة والحضارة وأيضا الحرية ولكن تنعتها بأنها ملحية وهذا الوصف يعطي بعدم الجدوى والفائدة المرجوة شمس مالحة  وتعتمد الشاعرة هنا على النكرات والجمل التلغرافية القصيرة ثم تنظر نظرة لكل هذه المعطيات لهذا العالم المتضح أمام وعيها

نظرة _ 

نهاية اللانهاية

ولكنها تؤطر عالمها اللا محدود  بنظرة منها  ثم تحمل هذا العالم ومعطياته كلها يدان اليد الأولى هي يد الأب الذي يمثل العطاء واليد الأخرى التي تمثل الكرم والحنو فالأب جزء أساسي في تركيب هذا العالم هو والأم مما يدل على أن الشاعرة لا تريد الانقطاع عن تاريخها السابق فهي متواصلة معه ومع  ومدركة مدى العطاء الذي حصلت عليه من هذا التاريخ

تحمله لى فى حفنة  

يد الأب أولا ، 

ثم اليد الأخرى الكريمة مثلها

والبحر هو الامتلاك الحقيقي فهي تدرك مدى قيمة البحر فهو الحيازة الكبيرة

بحر – حيازة ضخمة

وهذا البحر لحظة يكون لها وأحيانا أخرى لا يكون لها وهذا التضارب والتناقض يوضح أن شاعرتنا تتخذ البحر عالما كاملا لها وهو محور دنياها بما يمثله ولكن أحيانا تمتلكه وأحيانا لا يهرب منها

ولا وجود له . 

اكرر فى ايقاع لايستكين ، 

بح – بحر ، لايقاس  

وقت ، بناء عالم  

ينسحب البحر منى ،  

تبقى كلمتى –  

بحرا ساخنا .

يتحول هذا البحر في نهاية الأمر أملها المنشود فتكرر اسمه دائما ولكن ينسحب البحر منها ولا تستعيضه إلا بكلمة منها ساخنة ولنلاحظ كلمة الانسحاب بما توحي بالهمس والخفاء والهدوء فهو ينفلت منها دون ضجيج فهي تتكشف ذلك بوعيها وحسها ولمن ستبقى لها كلمتها الساخنة هي المعادل الموضوعي لهذا البحر

ثم تنتقل الشاعرة إلى تأكيد ما قلناه إن هذا العالم عالمها وهذه هي مفرداته ولكنها توضح أن الكلمة هي أثمن ما تملكه في هذا العالم

 من غير كلمات أكون كأنثى من غير يدين  

لاأستطيع أن ألمس أى يدين – 

اذا قطعوا كلماتى ،

فهي بدون كلماتها لا تستطيع أن تتواصل مع هذه المفردات التي تعيشها

ثم تتحول الشاعرة من الوصف لذاتيتها إلى منتجع فكري نكاد نلمسه ولا نستطيع الوصول إلى قمة الراحة فيه خالقا عالما من البحث الدائم من خلال الجمل التلغرافية الجديدة التركيب والتصوير مع تداخل بين الجمل الاسمية التي تمتد بصور جزئية تتلاحق في صور كلية وذلك باستخدام الأخبار الفعلية وخاصة المضارعة منها

الريح تحمل البحر الى شفتيك . 

واذ تهم برشفة منعشة – 

تبعد الكأس . 

يترك العطش شقوق لفح على جلدك . 

انت رمل لاتصل اليه أمواج .

ومن هذه الصور التي استوقفتني مندهشا لهذا التجديد الشعري والذي يصدر عن شاعر واع بكل مفرداته اللغوية وبعالمه الشعري .

يترك العطش شقوق لفح على جلدك .

 

 

بايقاع سعال الربو . 

تستطيع أن تغوص قدر ماتريد ، 

تستطيع أن تسبح حتى عتبة السماء

تغوص فى كل الأمواج الغابرة  

بذاكرة الجلد العارية .

وحتى لا يظلم هذا العمل الإبداعي من المفترض أن تكون هناك دراسة تحليلية خاصة لهذه البنية التركيبية والجمل التي جاءت منتظمة وسط سياق خاص بها تجعلنا نشعر بالتميز والانفراد لشاعرتنا قلما نجده في أصواتنا الشعرية المتداخلة

وننتقل للمقطع الخامس حيث تصور الشاعرة مفردات عالمها المستدعى من الذاكرة وكيفية المعاناة مع كم المحرمات التي فرضت على اللقاء

اى صراع مع انفسنا  

كم مغامرة ومجازفة  

فى سبيل لقاء واحد .

وهنا نجد المفردات التي تجذبنا إليها هو البحر بطل هذا العمل والرمز الذي تدور القصيدة حوله وهذه الذكرى من أطياف الذاكرة لحب وعاشق لم تركز الشاعرة على الغوص في وصفه ولم تركز على كنهه بل هو محض عاشق وجزيرة للوهم هذا العالم الساكن المتحرك في آن واحد يدهشك لمحاولة استرجاع القراءة مرات ومرات لأنك واثق أن هناك المزيد من المعطيات التي أفلتت من براثن نظرتك الاندهاشية .

أما المقطع السادس والأخير لهو قمة التفاعل بين المكون الأساسي للشاعرة الفكري والنفسي وبين هذا البحر المكون الأساسي في عالم قصيدتها ويتناغم التفاعل مابين المقابلات بين المواقف وبين التصورات لتمعن لنا هذا التناقض الذي كان القارئ ينتظر عكسه في الكتابات التقليدية لقد تعلمت السباحة فكان البحر في الجانب المعاكس فكان ملحيا

حين تعلمت السباحة  

خرج البحر كله مالحا  

من أنفى .

وفي لحظة الاستسلام يعبرها البحر

وكأنه هذه الحياة المتكاملة وكما قلت سالفا بحر شاعرتنا حياة كاملة من أفكار ومشاعر ورؤى للكون وفلسفة خاصة وإن كانت ذاتية إلا إنها عبرت تلك الذاتية إلى مناحى إنسانية عامة تستوقفنا مما يجعل التفاعل الإنساني مع العمل في تواصل مستمر وذلك بسبب حالة الدهشة الداءئمة طوال التعرف على هذه القصيدة التي تتملكنا عند القراءة فالبحر هنا يشبه البحور المتقوقعة داخل نفوس الكثيرين من الإنسانية

حين تعلمت السباحة  

خرج البحر كله مالحا  

من أنفى .

ثم تعاود الحديث عن ذلك الغائب الغامض  الذي يمتص لعاب البحر ووصفته بالبعد محاولة التخلص من فكرة سيطرة الجسد بوضعيته المادية وليس بوضعيته الشهوانية فقط فهي ترى فلسفتها الخاصة في هذا المقطع الأخير.

الآن ، اذ هو بعيد عنى 

أمتص من لثتى الجافة  

لعاب البحر . 

يلتهم ملح الذكريات 

الجسد ، الذى ماكان ينبغى  

أن يحب أكثر .

شاعرة حقا واعية بمفردات الكتابة والتكنيك الفني الذي تستخدمه وواعية بمفردات عالمها الخاص المتداخل .
لقراءة النص اضغط على هذا الرابط http://noormohamed.jeeran.com/archive/2007/6/244036.html

 



أضف تعليقا

noormohamed من مصر
02 يوليو, 2007 04:10 م
ايه رأيك فى انى اكون اول تعليق لتحليل بحرى المحظور
noormohamed من مصر
02 يوليو, 2007 04:33 م
أستاذى العزيز :
كان معك كل الحق ان احذف تعليقى لأترك العنان لخيال القراء ، فهذا ماأوضحه تحليلك الذى يتشابه فى جزء منه مع ماقصدته من معانى ، ومعانى أخرى اوجدتها انت فى النص بمعانى مختلفةعما قصدته ومنها

الان اذ هو بعيد عنى

امتص من لثتى الجافة

لعاب البحر .

يلتهم ملح الذكريات

الجسد الذى ماكان ينبغى

ان يحب اكثر


البحر فى القصيدة رمز وحيازة كاملة من ذكريات لواقع حياة لطوح واحلام واهداف البحر بعيد عنى فى لحظات ضعفى حيث تخوننى احلامى وطموحى التى كنت آمل فى تحقيقها ولم استطع ، تبعد عنى لذا امتص من لثتى الجافة لعاب احلامى شوقا وتحسرا ....
ربط الجسد بالشهوة لم اقصده ولكنها رؤيتك ولكنى قصدت بها تصويره كشىء مادى يتناقض مع ذكرياتى .....

تحليلك رائع وخاصة فى النصوص اللى ذكرتها ، وبعضها اغفلت عنه قليلا وان ذكرته بشكل عام كسمة من سمات القصيدة ،....

شكرا للجهد المبذول ..
تحياتى

ahmeadalbasha من مصر
02 يوليو, 2007 04:42 م
السلام عليكم
خالد نور
اشكرك ياخالد على نشر البحر المحظور

وعلى التحليل
اية رأيك يانور
عرفتى ان البحر المحظور جميل ومهم
الاستاذ خالد ايدة معى
تحياتى
karem5 من مصر
04 يوليو, 2007 01:15 ص
السلام عليكم

عزيزتى نور

الاستاذ خالد

حقيقى النص الاصلى رائع وتوجته بتحليل اوضح بعضا من جماليات النص الذى يحمل الكثير والكثير ، لكنى الاحظ ان تحليلك عام حيث اغفلت عن بعض النقاط التى املت فى ان توضحها ليفك بعضا من غموض النص .......


جزيل الشكر
kher1 من مصر
04 يوليو, 2007 01:57 م
الاستاذة نور لكم غصت داخل العمل لكنني كنت محاصرا برؤيتك وهذا أثر كثيرا على رؤيتي وأصابني بعدم الثقة وهذا يتعب اي رؤية على العموم انا في انتظار اي عمل جديد انا عارف انني لم اوف هذا العمل حقه فعذرا وارجو المغفرة
kher1 من مصر
04 يوليو, 2007 02:00 م
البحر المحظور يا استاذ احمد من القصائد المتميزة جدا من وجهة نظري المتواضعة وانا متفاعل مع النص جدا يكفي نور انها صوت شعري متميز ويمتلك ادواته جيدا
kher1 من مصر
04 يوليو, 2007 02:06 م
الاستاذ كريم والله انا قلت النص به الكثير الذي عجز قلمي عن الابحار والوصول اليه لكن استشعره جدا داخل النص على العموم انا حاولت جاهدا الغوص بقدر طاقتي المتواضعة وعلى العموم لنا لقاء آخر مع نور يمكن من العوامل التي قيدتني ان نور لهامنزلة عالية عندي جدا جدا فخفت من عدم الحيادية وخاصة ان الناس في جيران تكثر من الاتهامات على الفاضي والمليان هذه الايام اصبحت الوساخات سلاحهم الوحيد للنيل من الشرفاء لا اعرف لكن النص به اعماق عالية جدا جدا ولكنني اشعر انني خفت الغوص في كل الاعماق وهذا اعتراف مني بذلك وبعدين انت ناسي يا كريم من الاصل ان البحر محظور ههههههههه
نبيلة غنيم من مصر
04 يوليو, 2007 10:03 م
عزيزى خالد
صاحب المدونة المتميزة برؤيتك للنصوص الشعرية المتميزة .. لقد عبرت خير تعبير عن نص الأخت نور بقولك:
بحر شاعرتنا حياة كاملة من أفكار ومشاعر ورؤى للكون وفلسفة خاصة وإن كانت ذاتية إلا إنها عبرت تلك الذاتية إلى مناحى إنسانية عامة ..
عزيزى خالد .. ننتظر المزيد من رؤاك النقدية وننتظر عين الصقر وهي تلتقط الجميل من الابداعات والاعمال الأدبية المتميزة
فقد قرأت نص عزيزتى نور (البحر المحظور) وأعجبت به جدا كإعجابك به تماما.. ..
اتمنى لك كل السعادة والصحة والخير
تحياتي واحترامي
====
همسه في أذن عزيزى خالد
إذا كنت حذرا في التعبير عن رؤاك النقديه فإن العمل سيصبح ناقصاً توابله التى تجعله افضل وأجمل
اكتب يا عزيزى ولا تضع الحاقدين في ذهنك وقت الكتابه
فأنت تكتب لأنك تريد ان توصل لنا فكره معينه وهذا ما نصبوا اليه جميعا
تحياتي
souadsaleh من المغرب
13 يوليو, 2007 01:28 ص
أخي العزيز خالد
السلام عليكم و رحمة الله

دائما تأتي بجديد أعجز صراحة أمامه
أقسم و بدون مجاملة أنني أعجز أمام كل نقدك ....
رأيي من رأي أختنا الغالية نبيلة و يقول المثل : إقرأ تجد ...أكتب تكن

لك مني أصدق التحايا
elmofker1
14 يوليو, 2007 01:06 م
كل يوم أكتشف فيك شسئا جديد فأنت مدون متميز شرفت بك وقد قرأت نقدك لهذا العمل وشعرت أنه فك بعض الرموز لدي وشكرا للشاعرة على هذا الشعر المميز الذي ينبئ عن شاعرة لها مذاقها الخاص
aouab1 من المغرب
25 يوليو, 2007 11:06 م
إلى الوجه العزيزkher1
لا تحسبني غائبا إني حاضر دوما معك أتتبع كل جديدك ..
فبعدما تذوقت ملوحة البحر المحظورالعذبة للصديقة نور محمد عدت إلى قراءتك الذكية وتحليلك الدقيق والعميق للنص
مشكور يا عزيزي يا أستاذ على مجهوداتك الجبارة التي لا تقدر بميزان..
مودتي الخالصة
ـ عبدالعالي أواب

إبداع - إبداع - إبداع